أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

284

عجائب المقدور في نوائب تيمور

الدين ، ويمحضون القضية محضا غير ذلك ، ويبحثون فيها بحثا دقيق المسالك ، فيقع آخر الأمر الاتفاق ، على التوجه إلى بعض الآفاق ، ثم يدعو رائدهم وسائقهم في ذلك وقائدهم ، ويأمرهم بالتوجه إليه فيتصدعون على ما عول في ذلك عليه . وحين يقوض الظلام خيامه ، وينشر رائد الصبح أعلامه ، ويضرب الكوس للرحيل ، ويأخذ الناس في التحميل ، ويتوجه الناس إلى الجهة التي أمرهم بالمسير إليها ، ووقع الاتفاق عليها ، دعا حاشيته بعد ما حملوا وأخذوا في المسرى ، وأمرهم أن يمتازوا ويرحلوا إلى جهة أخرى ، لم يكن أبداها لأحد من الجماعة ، إلا في تلك الساعة ، ولولا الضرورة لما أفشاها ، ولا أعاد سريرتها لأحد ولا أبداها ، فيضرب الناس ضربا ويضرب ضربا ، ويأخذ العساكر شرقا ، ويأخذ غربا ، فتضطرب تلك الأطواد وتختبط ، وتنفرط عقود نظامهم فلا تكاد تنضبط ، وتنحل قوائم مواشيها عن المسير وترتبط ، ويموج بعض الناس في بعض ، وينعكسون سماء في أرض ، وطولا في عرض ، ويتوله كل أحد ويتدله ، ولا يدري إلى أين يتوجه ، فإن كان في عسكره ربيئه ، أو من يراقب ذهابه ومجيئه ، فبمجرد ما رأى تحميلهم ، وشاهد تحويلهم ورحيلهم ، طار إلى مخدومه ، وأظهر له ما في معلومه ، من توجه العساكر إلى الجهة التي اتفقوا عليها ، وأنه شاهدهم بعينه وقد توجهوا إليها ، فيأخذ حذره أهل ذلك الجانب ، وتطمئن سائر الجوانب من النوائب ، فلم يشعر إلا وقد دمر على الجانب الذي قصده وحطمه ، ونبذه من نار العذاب الموقده في السعير والحطمه . وكم كان له من دهاء ، ومكر خفي وذكاء ، ومن جملة ذلك أنه لما كان بالشام ، وقد قابلته عساكر الاسلام ، أشاع أن سوار أساورته تخلخل ، وتأخر قليلا إلى وراء وتحلحل ، وأذاع أنه أعوز خيله ورجله الزاد ، وأنه صائب صوب بغداد ، ثم أسفرت القضية ، عن أن انهزمت العساكر المصرية ، وكان قصده بذلك تثبيت جأشهم ، واستقرار رؤسائهم ،